بقلم دكتور أحمد يوسف عزت
ناني محسن أحمد حسين عبد السلام، المولودة بمحافظة بورسعيد، في الثامن والعشرين من شهر آب أغسطس، عام خمسة وسبعين وتسعمئة وألف ميلاديا، بمنطقة حي الشرق، في شارع التمساح ورشيد، خلف المعهد الفني التجاري. والدها الراحل قبطان بحري، عمل بعدد من الدول الأجنبية، واستقر عمله في أخريات أيامه بمنطقة الخفجي، بشركة الخليج العربي للزيوت، وأمها السيدة نديرة محمد بيوض، التي عملت بقسم الإدارة الهندسية، بحي الشرق ببورسعيد. الأديبة المذكورة حاصلة على بكالوريوس الخدمة الاجتماعية ببورسعيد، عام ستة وتسعين وتسعمئة وألف ميلاديا، وحاصلة على الدبلوم العالي لتأهيل ذوي الاحتياجات الخاصة، عام أحد عشر وألفين ميلاديا.ولقد حصلت على وسام الموظفة المثالية للهيئة العامة للتأمين الصحي، عام أحد عشر وألفين ميلاديا. بدأت بذور الإبداع في حقل موهبتها جراء حكايات جدها لأمها، كانت حكايات ساحرة ورائعة، وكذا حديثها المتواصل مع أبيها الراحل، الذي جاب الدنيا شرقا وغربا، واهبا عصارة رحلاته وخبراته لابنته الشرهة إلى العلم والاستزادة، وكذا نشئتها في مدرسة راهبات الفرنسيسكان؛ وكيف أنها تعلمت منهم عشق الحضارة، والرغبة الضروس في تطوير المجتمع وإنهاضه؛ حتى يلحق بركب التميز. لكن أديبتنا تعرضت لصدمة عاتية، وهي في الصف الأول الثانوي، بمدرسة بورسعيد الثانوية للبنات؛ أثناء زيارة موجه اللغة العربية، لفصلها في حصة للتعبير، وكان الطلبة بصدد كتابة موضوع عن التلوث، وضعت المدرسة عناصره التقليدية على السبورة، وكانت العناصر: (المياه، والهواء، والقُمَامة...إلخ). فطلب الموجه رأيا آخر؛ يوضح أنواعا جديدة للملوثات، غير المكتوبة على السبورة، فطلبت أديبتنا الكلمة، وقالت إن أخطر مصدر للتلوث هو [التلوث النفسي] داخلنا، فهو الذي سَبَّبَ بقية الأنواع، فلو أننا عالجنا الانسان من التلوث، لتطهرت البيئة؛ فانبهر الموجه بتلك العبارة، وظهر الضيق على وجه المدرسة، وفي تلك اللحظة طلب الموجه من أديبتنا أن تحبر الموضوع في دفتر خاص، وتسلمه للمعلمة؛ وبالفعل وضعت أفكارها وسلمتها الدفتر؛ فما كان من المعلمة إلا أن مزقت الدفتر، وألقته في وجه ناني، وما يدعو إلى الاستغراب حقا؛ هو منعها من كتابة أي موضوع تعبيري؛ حتى نهاية العام، على أن تضع المعلمة الدرجة التي تراها. وحذرتها أن تتحدث أمام أي موجه. وحين قالت أديبتنا للمعلمة إنها تحب مضمار القراءة في علم النفس، وهذا هو سبب اتجاهها إلى الحديث عن التلوث النفسي؛ فقالت المعلمة بتهكم سخيف: "مفيش علم نفس ولا مكتبة تاني... يا ناني". مما دفعها لأن يكون لها دفتر سري تكتب فيه كل ما يجول بخاطر وجدانها، من رفض لسلبيات الحياة، وكانت تخبئه في مكان لا يعلمه عنه أحد شيئا، وكانت تتخلص منه سنويا... ليلة رأس السنة. عملت ناني محسن عبد السلام، مراسلا إخباريا لموقع هيئة التأمين الصحي، منذ عام أحد عشر وألفين ميلاديا. أتاح لها الانغماس في الإعلام الاقتراب أكثر فأكثر من حلمها القديم، وهو الكتابة الأدبية، مارست الصحافة بوصفها عملا، وكان أن أنشأت موقع البوابة الإلكترونية للفرع، وطورت أسلوب التعامل الصحفي والإعلامي بالموقع؛ حتى صارت شبكة مواقع للتغطية الصحفية البورسعيدية المبتكرة. حصلت على تكريمات صحفية عدة، ومنها تكريم الموقع الصحفي والمنبر الإعلامي البورسعيدي الكبير (صدى بورسعيد) برئاسة الفنان والصحفي والمفكر المجتهد: طارق الغنام، الذي شجعها (ونفر من المبدعين البورسعيديين والمصريين الكبراء) وأيدها وساندها؛ من أجل إحراز البراعة المطلقة. وكان أول عمل قصصي، مجموعة (لستم أحفادي)، منذ منتصف شهر تشرين الثاني نوفمبر، عام عشرة وألفين ميلاديا. ومن أعمالها التي لم تنشر بعد: ثورة التلاميذ (وهي قصة كوميدية، تتحدث عن مجموعة من تلاميذ المرحلة الابتدائية، يقودون ثورة أثناء ثورة يناير ضد التاريخ المصري، والشعب الذي مَرَد على الاستسلام لظلم الحكام، وقد كتبت في أواخر شهر آذار مارس، عام أحد عشر وألفين ميلاديا، وحياة الأميرات، وهي قصة عن حسد الناس، وحقدهم على حياة الأميرة التي تعاني خلف جدران من الصمت البروتوكولي المطبق، وهى مقيدة داخل جدران القصر لا تنعم بحرية العامة. ولها قيد الكتابة (الأميرة والبلياتشو) الذي تدور أحداثه في سياق الثورة الفرنسية، وحكيم الزمان (تدور أحداثه في أجواء ألف ليلة وليلة؛ لتناقش واقعا مؤلما؛ عبر إسقاط الحاضر على الماضي الغابر). أديبتنا أنفقتْ جَهدَ يَدَيْهَا من أجلِ الأدبِ والثقافةِ الإنسانيةِ الرائقةِ الألقةِ. ونحن اليوم في إطار الاحتفاء النقدي بكتاب جيد، ينتمي انتماء شرعيا إلى فن المقالة الأدبية، وهو كتاب (يوميات في السيرك)، الذي طبعته دار الإسلام للطباعة والنشر، عام خمسة عشر وألفين ميلاديا، والكتاب من القطع الكبير، يقع في تسعين ومائة صفحة، وهو سرد يتتابع في مشاهدات ثلاثة وعشرين يوما، قضتها الأديبة في سيرك اليماني، بقيادة الكابتن (روما اليماني) وأعضاء أسرته وفرقته من الفنانين العظماء، الذين لا يعلم أحد عنهم شيئا، وهو ملمح مهم من ملامح الرؤية الأدبية للمقالة؛ إذ إنها تحتفي (غالبا) بالمسكوت عنهم، أو غير المرئيين عادة، من فناني مصر الرائعين. تداخلت معهم لتعايش مآسيهم وقضاياهم، بوعي وجداني مرهف. ولقد عرف النقاد المقالة الأدبية، أنها: قطعة نثرية قصيرة أو متوسطة، موحدة الفكرة، تعالج بعض القضايا الخاصة أو العامة، معالجة سريعة تستوفي انطباعا ذاتيا أو رأيا خاصا، ويبرز فيها العنصر الذاتي بروزا غالبا، يحكمها منطق البحث ومنهجه، الذي يقوم على بناء الحقائق على مقدماتها، ويخلص إلى نتائجها. وهي قطعة مؤلفة، تكون عادة منثورة في أسلوب يمتاز بالسهولة والاستطراد، وتعالج موضوعا من الموضوعات على وجه الخصوص. وتنقسم المقالة إلى نوعين، هما: المقالة الذاتية، والمقالة الموضوعية. المقالة الذاتية: تبدو فيها شخصية الكاتب جلية جذابة، تستهوي القاريء، وتستأثر بلبه، في صوغ أدبي يشع بالعاطفة ويثير الانفعال، ويستند إلى الصور الخيالية والصنعة البيانية والعبارات الموسيقية والألفاظ القوية الجزلة، هذه المقالة تشبه القصيدة الغنائية، فإنها تكون على غير نسق من المنطق. ولا تقوم على الجدال والنقاش؛ بل إنها تعبر عن تجربة حيوية، تمرس عليها الكاتب، كما أنه يشترط فيها ألا ينظر كاتبها إلى الحياة نظرة أحادية جادة، بل ينبغى أن يلمحها بعين فيلسوف ساخر متسامح، فلا يندفع في تيار المواعظ، بطريقة تمحو شخصيته؛ فينحرف عن مهمته الأولى، وهي التعبير عن النفس تعبيرا صادقا. ومن أشهر أنواعها الفرعية، التي تندرج تحتها: مقالة الرحلة، ومقالة السيرة الذاتية، ومقالة الترجمة، ومقالة اليوميات التي يتبعها كتابنا الميمون. اللغة في الكتاب بسيطة وموحية في آن، ولقد أبدعت الأديبة في وضع عناوين فرعية بارعة، تلمح إلى الهدف الجلي من الكتابة، ومنها: عنوان (أيهما أشرس الإنسان أم الحيوان) في الصفحة الثامنة والستين، وهو عنوان فرعي يتبع اليوم السابع. واليوميات متدفقة وعصرية، والسرد فيها مرن ومتعانق مع آليات الآني، ومنه اليوم الثامن من الكتاب، في الصفحة الحادية والسبعين، بعنوان: (أنا وفيجو والفيسبوك)، ومنه في كتابها الملمح الرائع، الذي يمازج بين اللحظة الآنية، والأسطورة التاريخية، ومنه في الصفحة السادسة والسبعين من اليوم الثامن، بعنوان (إدمان التكنولوجيا وأسطورة بيجماليون). بل إن الأديبة قد لجأت في بعض الأحايين إلى ملمح السخرية، ومنه عنوان اليوم الثاني عشر (شكلك فاهم يا نصه). وأهم ملمح من ملامح المقالة الأدبية، أنها بالفعل تربطه بالحس الشعري، وذلك عبر توزيع رباعيات جاهينية قبيل كل يوم من أيام الكتاب؛ تشي بفكرة اليوم وتأطر له. شكرا للحضور الكرام، الذين أسعدونا وأثلجوا صدرنا بطلتهم الجليلة. مودتي الفائقة، لكم أجمعين...
